الشيخ محمد الصادقي الطهراني

156

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

ثم مكيات أخرى ثلاث تعبر عن الزكاة ب « حق معلوم » « 1 » و « حقه يوم حصاده » ، « 2 » مما تقضي على الفرية الشهيرة على الزكاة أنها - فقط - مدنية وليست مكية ، وقد اشتهرت بين الفقهاء والمفسرين ومؤلفي آيات الأحكام مما يحير العقول . والتعبير عن كل هذه الإيتاآت بمختلف صيعها بالزكاة أكثر مما سواها من تعبيرات ، يعني أن المال المؤتى في سبيل اللَّه يزكي النفوس والأموال من البخل والخيلاء أمام اللَّه وأمام خلق اللَّه ، والمجتمعَ من الفقر والعناء مادياً ونفسياً ، ومن كافة الأخطار الموجهة إليه اقتصادية وأنفسية وسياسية أماهيه من قذارات فردية وجماعية : ف « خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم » ! . وفي مربع الإيتاء الإنفاق الصدقة الزكاة ، الثلاثة الأخيرة تفسر كيفية الإيتاء ، أن واجبه كونه موصوفاً بصفة الإنفاق والصدقة والزكاة ، فالإيتاء الخارج عن هذا المثلث خارج عن دور الإيتاء إيمانياً . ومختلف آيات الزكاة - كالحكمة الربانية الفارضة لها - تدل على شموليتها لكل الأموال ، دون التسعة المعروفة التي لا أصل لها إلّا ضعاف الروايات سنداً ومتناً ، المخالفة للآيات وعشراتٍ أضعافها من معتبرات الروايات التي تعني ما تعنيه الآيات .

--> ( 1 ) . ومهما فسر « حق معلوم » في قسم من الروايات بغير الزكاة ، فقد يعني غير الزكاة المعروضة ذات‌النصابات المعلومة ، لا سيما وأن آيتي « حق معلوم » مكيتان ولم تكن في مكة للزكاة نصاب ، ومما ورد في ذلك ما رواه عبد الرحمان الأنصاري قال سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول أن رجلًا جاء إلى علي بن الحسين عليهما السلام فقال له : أخبرني عن قول اللَّه عزَّ وجلّ « في أموالهم حق معلوم . للسائل والمحروم » ؟ ما هذا الحق المعلوم ؟ فقال له علي بن الحسين عليهما السلام ، الحق المعلوم ( 2 ) . هو في آيتين : المعارج 24 والذاريات 19 « في أموالهم حق معلوم . للسائل والمحروم » وفي الانعام 143 « وهو الذي أنشأ جنات معروشات . . وآتوا حقه يوم حصاده . . » . وتفصيلًا للهوامش 1 - 2 إليكم نصوص الآيات التالية : فالزكاة فريضة مكية لشطرين من آياتها ، فالثاني آيات مدنية أربع تتحدث عن واجب الزكاة في الشرايع السابقة ك « أوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً » ( 19 : 32 ) - « وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين » ( 2 : 43 ) - « وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة » ( 19 : 55 ) - « وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاءَ الزكاة وكانوا لنا عابدين » ( 21 : 73 ) . والشطر الأوّل هي مكيات تسع : « . . ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة . . » ( 7 : 156 ) - « والذين هم للزكات فاعلون » ( 27 : 3 ) و ( 31 : 4 ) - « . . وما آتيتم من زكاة تريدون وجه اللَّه فأولئك هم المضعفون » ( 30 : 39 ) « . . وويل للمشركين . الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون » ( 41 : 7 ) - « قد أفلح من تزكى » ( 87 : 14 ) - « . . وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واقرضوا اللَّه قرضاً حسناً » ( 73 : 20 ) - « الذي يؤتى ما له يتزكى » ( 92 : 18 ) . فهذه ثلاثة عشر آية تحدث عن واجب الزكاة قبل العهد المدني . ومن ثم آية الانعام « وهو الذي أنشأ جنات معروشات . . . » ( 143 ) وآية « حق معلوم » في المعارج ( 22 ) والذاريات ( 19 ) : « في أموالهم حق معلوم . للسائل والمحروم » . فهذه ستة عشر ، ثم آياتها المدنية أقل منها وإنها تزيد على المكية الأمرة بالأخذ من أموالهم : « خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها » ( 9 : 103 ) وقد نزلت في تاسع الهجرة أو عاشرها ، ثم بين الرسول صلى الله عليه وآله نصابات الزكاة . فمن ثلاثين آية حول الزكاة التي أكثرها مقرونة بالصلاة تسعة منها مكيات والباقيات مدنيات !